صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
235
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
لقد نفس الكفار أغلب أحقادهم على الإسلام ومعتنقيه في أشخاص الموالي ، لأنه لم تكن لهم منعة . فكان العذاب أقسى وأفظع . وقد عذر اللّه المعذّبين فيما يتلفظون به حينما يبلغ الجهد منهم مبلغه . قال سعيد بن جبير لابن عباس : « أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ » قال : « نعم واللّه ، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجوعونه ويعطشونه ، حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له اللات والعزى إلهك من دون اللّه ؟ فيقول : نعم ، افتداء منهم مما يبلغون من جهده » « 1 » . قال ابن كثير « 2 » : « وفي مثل هذا أنزل اللّه تعالي : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 3 » . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحث أصحابه دائما على الصبر على الأذى ويخبرهم بأن اللّه تعالى سوف ينصر دينه . فقد جاء إليه خبّاب بن الأرت يشكو إليه ما يصيبهم من شدة من المشركين وقال له : « يا رسول اللّه ألا تدعو اللّه لنا ؟ فقعد وهو محمرّ وجهه فقال : « لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ، ما دون عظامه من لحم أو عصب ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقّ باثنين ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمّنّ اللّه هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلّا اللّه » « 4 » . لقد عرضت قريش المال والجاه ، الثروة والملك على الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم فأجابهم : « ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشّرف فيكم ، ولا الملك عليكم ولكنّ اللّه بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا فبلّغتكم رسالات ربّي ف إن تقبلوه فهو حظّكم في الدّنيا والآخرة ، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتّى يحكم اللّه بيني وبينكم » « 5 » . ولما فشل المشركون في محاولاتهم في التصدي للدعوة الإسلامية ، تعاهدوا على مقاطعة بني هاشم فلا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعون منهم ولا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم . وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة ، فاضطر أبو طالب وعشيرته إلى التحصن بالشعب ودام حصارهم زهاء ثلاث سنوات عانوا خلالها أشد المعاناة من الجوع والعوز . حتى تمكن بعض زعماء قريش بزعامة هشام بن عمرو من نقض ما جاء في الصحيفة الظالمة ، وانتهت مقاطعة بني هاشم « 6 » .
--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق ، ابن هشام - السيرة ( 1 / 396 ) . ( 2 ) البداية والنهاية ( 3 / 65 ) . ( 3 ) القرآن الكريم - سورة النحل ، الآية / 106 . ( 4 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري ) ( 7 / 202 - حديث رقم 3852 ) . ( 5 ) ابن هشام : السيرة 2 / 316 . ( 6 ) ابن هشام - السيرة 2 / 219 - 221 ، 234 - 237 ، البيهقي - دلائل النبوة 2 / 311 - 314 ، ابن عبد البر - الدرر ص / 27 - 30 ، البلاذري - أنساب الأشراف 1 / 235 - 236 .